حديث الجمعة ( 3 ) : تعالوا بنا نختلـــف
يُحكى أن يونس بن عبد الأعلى أحد أشهر طلبة الإمام الشافعي –
رحمه اللّه - اختلف مع أستاذه الإمام في مسألة، فقام يونس غاضباً وترك الدرس وذهب
إلى بيته .
فلمّا أقبل الليل سمع يونس صوت طرق على باب منزله !
فقال يونس : من بالباب ؟
قال الطارق : محمد بن إدريس .
فقال يونس : فتفكرتُ في كل من كان اسمه محمد بن إدريس إلا
الشافعي .
قال : فلما فتحت الباب ، فوجئت بالإمام الشافعي !.
فقال الإمام :
يا يونس تجمعنا مئات المسائل وتفرقنا مسألة !
يا يونس لا تحاول الإنتصار في كل الإختلافات، فأحياناً كسب
القلوب أولى من كسب المواقف .
يا يونس لا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها فربما تحتاجها
للعودة يوماً ما .
اكره الخطأ دائماً ولكن لا تكره المُخطئ، وأبغض بكل قلبك
المعصيّة لكن سامح وارحم العاصي .
يا يونس انتقد القول لكن احترم القائل فإن مهمتنا هي أن
نقضي على المرض لا على المرضى .
لا أجدُ تعليقاً يعادل كلام الإمام الشافعي في الميزان ،
فكلامه يكتب بماءٍ من ذهب فالإختلاف وإن كان في حقيقة أمره أمراً مذموماً وقبيحاً،
لكنّه من زاوية أخرى هو أمور محمود ولا
بأس به إن قُيّد بقواعده وسيطرنا على خلافتنا لا هي التي سيطرت علينا.
كان من الطبيعة البشريّة والإنسانيّة التي فطر اللّه الناس
عليها أنه خلقهم مُختلفين، مختلفين في الشكل واللون، والوطن واللسان وهذا من رحمته
سُبحانه حيث قال ( ومن آيته خلقُ السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألونكم إن في
ذلك لأيتٍ للعلمين ) وتنبّه إلى نهاية الآية ( إن في ذلك لأيتٍ للعلمين ) ولفظ
عالمين ذكر في القرآن مراتٍ محدودة وفي مواضيع مُعينة، الشيء الذي يُفسّر أنّ
اختلافنا يحتاج لعلم ودراية وتأمّل.
ثمّ إنّ اللّه عندما جعل كل
هذا الإختلاف الفطري والظاهري بينهم، كان هُناك اختلافٌ آخر أكبر أهميّة وتحكماً
وهو الإختلاف الفكري والعقلي، ولـمـّا كان كل هذا الخِلاف كان من رحمة اللّه أن
سمح أن يكون هُناك خلافاً حتى في دينه الذي هو أجلّ الأمورُ، الأمرُ الذي يعتقد
فيه البعض أنّ لا مجال للنقاشِ فيه ولكن لمّا كان هو منهاج الحياة كان للإختلاف
فيه مقالاً فكان الخلاف فيه إلى الحدّ الذي لا يُضيّع القواعد والأصّول ولا يبّدل
الرسالة والشريعة ولا يزيحنا عن الحقِ شيئاً ومثلاً على ذلك المذاهب الفقهيّة لا
العقائديّة فالأوّل في دائرة الدين أمّا الثاني فالكثير من بعيدٌ عن المنهاج
الصحيح ويقع في مُغالطات وأخطاء ليست من الدّين.
ثم أنّ الخلاف في عهد النبي -
صلّ الله عليه وسلّم- لـم يكن مُنتشراً ومتوسّعاً بسبب وجوده عليه السّلام وأنه
كان المرجعيّة الأولى والأخيرة للصّحابة فكانوا إذا اختلفوا في شيئاً أو تشابه
عليهم ردّوه إلى الرسّول طاعةً لقول ربهم ( فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى اللّه
والرسول ) فكان هو برّ الأمان لهم، لكن بعد وفاته وذهابه إلى رفيقه الأعلى،
اختلفوا في عدّة أمور كالإختلاف منها مثلاً الإختلاف في وفاته عليه السّلام وماقاله
عمر بن الخطاب يومها حين رفع سيفه وهدد وتوعد من يقول بموت رسول اللّه فسوف يقتله
إلى أن جاء الصديق حبيب النبي ورفيقه وخليفته وهدأ من روع عُمر وقال قولته الشهيرة
: ( من كان يعبدُ محمد فإنّ محمد قد مات ومن كان يعبد اللّه فإن الله حيٌ لا يموت
) ثم ذكر آية آل عمران .
وما ينتهي هذا الخلاف إلا يأتي الأختلاف بينهم على مكان دفن
النبيّ فمنهم من قال " ندفنه في مسجده " وقال آخر " ندفنه مع
أصحابه " فقال أبو بكر رضي الله عنه : إني سمعت رسول الله صلّ الله عليه
وسلّم يقول " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض " فرفع فراش النبي الذي توفي
عليه وحفر له تحته .
والشواهد والأمثلة على ذلك كثيرة لا يسع لنا المقال أن
نذكرها هنا كلّها ؛ منها مثلاً ما ذكره الإمام ابن القيّم في " إعلام
الموقعين " قوله : أن الـمسائل الفقهيّة التي خالف فيها ابن مسعود عمر بن
الخطاب رضي الله عنهما بلغت مائة مسألة ومع ذلك فإن اختلافهما هذا ما نقص من حب
أحدهما لصاحبه وما قلّ من تقديرهِ ومودّته .
فالعبرة من هذا كلّه أنّه
الإختلاف ليس أمراً مرفوضاً لكن يحتاج إلى ضوابط وأخلاق فالصّحابة وهم أصحاب أشرف
خلق اللّه الذين تعلّموا من مدرسة مُعلّم البشريّة وتربّوا على أخلاقه، ومع هذا فاختلفوا
وهذا ليس منقصةً منهم كلّ مافي الأمرُ أن للإختلاف آداب وأخلاق ونحن فقدنا هذين
الإثنين في خلافاتنا، فقدنا الآداب الذي فهمها صحابة نبينا و ضيّعنا الأخلاق التي
كانوا عليها لأنهم كانوا يدركون أنّ لو جعلوا للخلاف مكاناً بينهم لضاعت الأمّة
وتاهت الأفكار وتشتت القلوب وصار خلافهم سبيل عدواة وفِرقة لا مُناصحة ووحدة فنحن
لن تكن لنا هيبة إلا عندما يكون خلافنا راقياً لا ينتج عنه حقداً ولا غلاً ولا
حرباً !
نحن اليوم نخسر دول وشعوب بسبب خلافتنا، الكل يريد من الآخر
أن يرى الأمر من نفس الزاوية التي يرى منها هو، ولكن ماذا لو نظر كل واحدٍ منّا
بزوايته ووضع رأيه، الإختلاف ليس تخلّفاً ولكن الخلاف الذي يحدث بيننا نتيجة هذا
الإختلاف هو قمّة التخلّف والجهل والتعصّب، أمّا الإختلاف فيتغذّى على المعلومات
والحقائق والأفكار والبراهين الذي يستنتجه هذا العقل البشري الذي أودع فيه خالقه
سراً عجيباً فهو جهاز مُعقّد لا يقبل لأحد السطيرة عليه .
وفي عالمنا اليوم وفي ظلّ التطور المنقطع النظير والإنفتاح
الحضاري والغزو الثقافي الذي تجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ وازدادت المعلومات
والأحداث وتكاثرت الصراعات البشريّة، كان من الواجب منّا أن نفهم جيداً قواعد
الإختلاف وفقهه وأن نترك مسافة أمان بيننا وبين الطرف الآخر وأنّ نبّدل لغة الحوار
والنقاش وتبادل الرأي عن الجِدال والعصبيّة والإصطدام الفكري الذي لا ينتج عنه إلا
عداوة ومُشاحنة ثم بغضاء وتنازع ثم فشل.
ثم انظر حولك وانظر إلى كل شيء مُختلف والحكمة منه : اختلاف
الأعراق والأنساب، اختلاف المذاهب ، اختلاف الأفكار والأراء، اختلاف الألسن
والألوان، وابحث عن حكمة كل ذلك، ولا تنسى حين تختلف مع أخيك أن تلين له بأسلوبك
وكلامك ورأيك ولا تنازعوا حتى لا تفشلوا وتذهب ريحكم.
تعليقات
إرسال تعليق