حديث الجمعة ( 2) : القنوات على دين مموّليها !


 (حديث الجمعة ( 2
القنوات على دين مموّليها !


روى الإمام أحمد في مسنده أنّ النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – قال :
(( المرءُ على دينِ خليلهِ فلينظر أحدكم من يُخالل ))

هذا الحديث هو ليس ميزان قويم للعلاقات الإجتماعيّة فحسب بل القسطاس المُستقيم في تحكم العقل البشري و القلب الإنساني في إستقباله لكل شيء يراهُ ويسمعه بدءً من النّاس وعلاقاتنا بهم وانتهاءً بكل ما يكون مصدر للمعلومات يُمكنه أن يكون كالخليل أو أشدّ ، أقربها مثلاً وسائل التواصل الإجتماعيّة والقنوات الفضائيّة !

في كلِّ عام وقبل بدأ شهر رمضان تستعد القنوات ومؤسسات الإنتاج الإعلاميّة من كلِ حدبٍ
وصوب كالجراد المُنتشر بتجهيز برامج – لتبرمج عقولنا كما تريد – ومُسلسلات ومُسابقات من أجل شهر رمضان رافعين شعاراً لامعاً يُسمى " رمضان يجمعنا " !

وكلّ عام يطلّون علينا بطبخة مسمومة جديدة من البرامج والمُسلسلات مضروبة جميعاً بخلّاط 
إفساد الصيام على صائمه بل وعقله وفكره .

ولأنهم علموا أنّ الأفكار والمُعتقدات تحتاج إلى ثوبٍ خاصّ لكي تتغيّر وتتبدّل فكنّا الكورة التي كانت في ملعبهم ، ملاعبهم التي تأتي بألوانٍ جديدة وعديدة منها عن طريق برامج دينيّة توضح أن ديننا " كيوت " وأبسط بكثير مما نعتقد! حتى أن بساطته لم يكن يدوّنها الأئمة الأربعة في مذاهبهم ولم يكن يعلمها ابن القيم حين كتب كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " - وحسبي أنّ هؤلاء ليس بينهم وبين الشيطان إلا قيد أنملة – ولم يعرفها أيضاً ابن الجوزي في " مدارج السالكين " فأخرجوا علينا " دُعاة الكيوت " وألبسوهم عباءات المشيّخة ، والمُشاهد يتلقى بعقله والقلب يُصدق ما يسمع ويؤمن بما يرى .

وفي زاوية أخرى ليس بعيدة بكثير تراهم ينتجون مُسلسلات كاملة من أوّل مشهدٍ فيها وحتى آخره تتحدّث عن اليهود وكيف حالهم وكيف كانوا مُتعايشين بيننا وإنّ حاولوا أن يقنعوا المُشاهد بأنّهم في جانب الخصم من المُسلسل لكنّهم في الحقيقة يرققون قلبك عليهم بل ويعلّموك ثقافتهم وحياتهم وأفراحهم ومآتمهم فتخرج بعد الثلاثين يوماً ولديك ثقافة جيّدة عن اليهود ، يا لفرحتهم ويا لسذاجتنا ! وهُنا انظر إلى المموّل وشركة الإنتاج وقناة العرض الحصري ، ولا تستغرب فالقنوات على دينِ مموّليها !

أشاهد ذلك ثمّ اسمع صوت ماهر المعيقلي من بعيد وهو يتلو آيات الرحمن في الحرم المكّي الخالي من المُصلّين : " ولن ترضى عنك اليهودُ ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم " فأجدُ جواباً شافياً كافياً 
لكل هذا .

وفي جانب مُحاذي جداً تجد حلقات أحد المسلسلات يتحدّث من يُدعى بطلها – اللهمّ إني صائم - عن مشروعيّة التطبيع وكأنّ فلسطين أرضه وورثها عن أبيه ويريد أن يقسّمها كيف ما شاء من حُرّ نفسه ، ويضعون لك المشهد في قالب هزلي حتى أن من وضعوه مُمثلاً ليدافع عن القضيّة والحقّ وضعوه في قالب الشخص الساذج والهائم والمُراهق الطائش سفيه الحلم وحديث الأسنان لا 
يعرف من فلسطين إلا أنّها حدود جغرافيّة على الخريطة – إذا كان يعلم موقعها أساساً - .

ناهيك بالطبع عن العُري الفاحش والتمثيل الهابط والتي لا تكاد تُقلّب التلفاز إلا وتجده يدخلون عليك من كلٍّ باب ويقفزون من شاشة إلى شاشة ، لا حياء في التمثيل و لا كرامة ولا هدف ولا رسالة ، بلّ الكُلّ يثبت وقاحته وأنّه هذا العام وصل إلى حضيض الحضيض وهكذا تستمر العجلة .

ثمّ تأتيك برامج المقالب التافهة أولاً ، الضاحكة على العقول ثانياً ، برامج تُصرف عليها الملايين بل مئات الملايين من الدولارات سنوياً من تجهيز وتنسيق وإعداد وتبذير ودفع أجور للضيوف لينفذوا لك على المائدة برنامج مقالب نص الحلقة منه لا تسمع فيها إلا صوت الشتائم المحذوفة " توووت ! توووت! " في الوقت الذي يحتاج به مئات الآلاف من النّاس إلى دولارٍ واحد فقط ليفطروا ويحلّلوا صيامهم ببضع تمرات لا لملئ بطونهم والشبع ! ماذا لو كانت كل تلك الأموال تجهّز لحملات إفطار الصائمين ولكسوة المحتاجين ولإسعاد النّاس قبل أن يحلّ عليهم العيد .

رمضان ليس للتسابق على الأسئلة والأموال والهدايا والجوائز ؛ كل هذا لا يساوي شيء رمضان للتسابق الحقيقي المذكور هنا " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماءِ والأرض " هذه هو الهدف الأسمى والأغلى في هذا الشهر وفي ذلك فليتنافسِ المتنافسون .

الأمر ليس نظرة سوداوية للأشياء ولا نشراً للسلبيّة لكن بلغ السيلُ زباهُ ، والأمر زاد عن حدّه  والتمادي في ازياد وكأنّ رمضان مزادٌ علني وسوق نِخاسة لبضاعة مُزاجة بالفساد والدمار الأخلاقي والإجتماعي والفكري والثقافي والعقائدي ، فتثبّتوا رحمكم اللّه وفكّروا في كل ما تتلقونه ولا تسلّموا لكلِ شيء وتأكدوا أنّه كما أمرنا بالثبّت من الصديق لأنّه بطبيعة الحال سوف يجرّنا إلى أخلاقه ومبادئه وإعتقادته فأيضاً مأمورون بشدّة من التثبّت من كل معلومة حولنا وما أكثر المصادر في زماننا فإنها تدخل علينا من كُلِّ باب ! وكما أنّ المرء على دينِ خليله فالقنوات على دينِ مموّليها فلا تكتفوا بالنظر بالبصر فقط وكونوا على بصيرة .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حديث الجمعة (1) : أتاكم رمضان ... شهر مباركٌ

حديث الجمعة ( 3 ) : تعالوا بنا نختلـــف